مناهج البحث في الجغرافية السياسية بين الاصالة والتجديد

مواضيع مفضلة

Translate

الأربعاء، 9 يونيو 2021

مناهج البحث في الجغرافية السياسية بين الاصالة والتجديد

مناهج البحث في الجغرافية السياسية بين الاصالة والتجديد

أولاً: مقدمة

يُعدّ منهج البحث العلمي الأداة الأساسية التي يعتمد عليها الباحث في الوصول إلى نتائج علمية دقيقة وموضوعية، إذ يمثل الإطار الذي ينظم خطوات التفكير والتحليل والاستنتاج. ومن غير الممكن تصور أي بحث علمي دون منهج واضح يحدد طريقة جمع البيانات وتحليلها وتفسيرها،وتتميز المناهج العلمية بكونها غير جامدة، بل تتطور بتطور المعرفة العلمية وتعدد الظواهر المدروسة، خصوصاً في العلوم الإنسانية ومنها الجغرافية السياسية التي ترتبط بدراسة الدولة والسلطة والمجال الجغرافي في إطار تفاعلي معقد  وتتمثل الإشكالية الأساسية لهذه الدراسة في السؤال الآتي(ما طبيعة مناهج البحث في الجغرافية السياسية؟ وما مدى تطورها من المناهج الكلاسيكية إلى المناهج الحديثة؟).

ثانيا: الجغرافية السياسية وتطور المناهج

ظهرت الجغرافية السياسية كفرع علمي في أواخر القرن التاسع عشر، لكنها ما تزال تشهد تطوراً في موضوعاتها ومناهجها، حيث لم تستقر على تعريف واحد أو إطار منهجي ثابت، بل توسعت لتشمل مجالات جديدة مثل الجيوبولتيك وجغرافية الانتخابات والايكولوجيا السياسية وقد انعكس هذا التطور على تنوع المناهج المستخدمة في دراستها، والتي يمكن تصنيفها إلى مناهج كلاسيكية وأخرى حديثة.

ثالثاً: المناهج الكلاسيكية في الجغرافية السياسية

1-المنهج الإقليمي

وقد استخدمه العالم بومان في كتابه العالم الجديد  ويعد من اقدم المناهج في الجغرافية السياسية ويركز هذا المنهج على دراسة الإقليم كوحدة جغرافية متكاملة من حيث عناصره الطبيعية والبشرية وتفاعله مع الظاهرة السياسية  ويُعد من أكثر المناهج استخداماً في الدراسات الجغرافية التقليدية، لما يوفره من رؤية شمولية للمجال الجغرافي.إلا أنه قد وجهت له عدة انتقادات من أبرزها اتساع نطاقه وصعوبة الإحاطة بجميع بيانات الإقليم، إضافة إلى استهلاكه وقتاً طويلاً في الدراسات التطبيقية.

2-المنهج الأصولي

يركز هذا المنهج على دراسة الظواهر الجغرافية السياسية وفق موضوعات محددة مثل الموقع، والمساحة، والسكان، والموارد الطبيعية، بدلاً من التركيز على الإقليم كوحدة واحدة ويتميز هذا المنهج بالدقة والتحليل التفصيلي، إلا أنه قد يؤدي إلى تجزئة الظاهرة الجغرافية وفصلها عن سياقها المكاني العام.

3-المنهج التحليلي

يقوم هذا المنهج على تحليل عناصر الدولة الجغرافية والسياسية والاقتصادية والديموغرافية، بهدف فهم قوة الدولة ووزنها الجيوسياسي ومن أهم عناصره:

1-البيئة الطبيعية وتدخل فيها عناصر الجغرافية كافة .

2-السكان السكان (من حيث الحجم، التوزيع، الكثافة، التركيب العمري، ومستوى التعليم)

3-الحركة والانتقال وتتضمن اتجاه حركة نقل البضائع والأشخاص والتيارات الفكرية .

4-المواد الخام والسلع المصنعة ونصف المصنعة ويعني الجانب الاقتصادي في المجالين الزراعي والصناعي والمعدني

5-البنية السياسية(وتشمل نظام الحكم، الاستقرار السياسي، المؤسسات الحكومية، ومستوى المشاركة السياسية)

ويُعد هذا المنهج أساسياً في الدراسات المقارنة، إلا أن صعوبته تكمن في تحديد العنصر الأكثر تأثيراً في قوة الدولة.

4-المنهج التاريخي

يهتم هذا المنهج بدراسة التطور التاريخي للظواهر السياسية والجغرافية، بهدف فهم جذورها وتطورها عبر الزمن وتكمن أهميته في تفسير الواقع السياسي الحالي، إلا أن الإفراط في السرد التاريخي قد يضعف الجانب التحليلي للبحث.

5-المنهج الوظيفي

يركز هذا المنهج على دراسة وظيفة الدولة الداخلية والخارجية، وتحليل دورها في إدارة الإقليم وتوجيه الموارد والسياسات وقد طوره الباحث هارتشورن سنة 1954،حيث اعتبر أن قوة الدولة تُفهم من خلال تفاعل عناصرها الجغرافية والبشرية والاقتصادية والسياسية[1].

رابعا: المناهج الحديثة في الجغرافية السياسية

1-منهج النظم العالمية

وضعه  ايمانويل والرشتاين وهو عالم اجتماع امريكي عبر سلسلة دراسات في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين حيث اقترح نظام عالمي واحد كوحدة تحليل بدلا من الدولة  حيث يرى ان الاقتصاد العالمي المعاصر تحكمه سنن تشكلت عشية القرنين الخامس عشر والسادس عشر  في اوربا واتسع مداها الاقليمي ليشمل كوكبنا الارضي غير ان جوهر وتقسيم العمل لم يتعرضا للتغيير ويستند الاقتصاد العالمي من وجهة نظر فالرشتاين على تقسيم للعمل يقوم على التبادل اللامتكافئ بين مجموعات كبرى وهي :

1-المركز core  اي الاقاليم التي تجدد وتحدث التقدم التكنلوجي العالمي ويتدفق  اليها الجزء الاساسي من الفائض الاقتصادي العالمي .

2-شبه الاطراف  semi-periphery  وهي الدول الوسطية بين المركز والاطراف ويقع على عاقتها توطين جزء من الاستثمارات المباشرة القادمة من المركز وغالبا ماتكون محطة لتخفيف التوترات السياسية والاقتصادية بين المركز والاطراف وهي مهمة لديمومة عمل الاقتصاد العالمي ولهذه الدول اتجاهين هما

أ-   من الاطراف  الى المركز (عرض الخامات الرخيصة ،استيراد راس المال).

ب‌-     من المركز الى الاطراف (الطلب على الخامات الرئيسية ،تصدير راس المال).

3-دول الاطراف periphery وهي الدول التي تمتلك  الطاقة والموارد الرئيسة لكنها غير قادرة على تصنيعها وتذهب واردتها الى الخارج.[2] ان هذا المنهج يرفض تعددية المجتمعات ولايقبل التحولات في بلد او مجتمع بشكل منفرد بل من خلال نظام عالمي متكامل 3]اي ان الدولة في منظور هذا المنهج ليست النقطة الجوهرية بل هي جزء من التحولات العالمية  وان التحولات الخارجية التي تحدث

على اصعدة  ونطاقات جغرافية مختلفة هي نقطة الانطلاق في منهج النظم العالمية [4] وقد وجدت الجغرافية السياسية في هذا المنهج منطلقا لدراسة المشاكل السياسية العلمية المعاصرة مثل قضية التلوث والتغيير المناخي والثورة الرقمية والثورة الحيوية والخ مما ادى بالفعل الى اضافة مساهمات نظرية في جغرافيتنا السياسية المنطلقة من منهج النظم العالمية .[5]

خامسا/الاساليب والاتجاهات البحثية

وهو طريقة تطبيق داخل المنهج لجمع أو تحليل البيانات ومنها :

1-الاسلوب الكمي

يمثل الاسلوب الكمي  نقلة نوعية في الجغرافية السياسية، إذ يعتمد على القياس الرقمي المؤشرات الإحصائية لتحليل الظواهر السياسية والجغرافية وقد ساهم في تطوير مفاهيم مثل قوة الدولة من خلال تحويل الظواهر إلى مؤشرات قابلة للقياس، إلا أن تطبيقه ما يزال محدوداً في بعض البيئات البحثية.

2-الاسلوب التطبيقي

وهو اسلوب تطور مع تطور الجغرافية التطبيقية ويهدف إلى توظيف المعرفة الجغرافية في حل المشكلات الواقعية وهو مكمل للتحليل من خلال تقديم حلول عملية واستشراف المستقبل، خاصة في القضايا السياسية والبيئية وقد برز هذا المنهج بعد الحرب العالمية الأولى، حيث لعب الجغرافيون دوراً في رسم الحدود السياسية في أوروبا[6].

يتبين من العرض السابق أن مناهج الجغرافية السياسية مرت بتطور واضح من المناهج الوصفية التقليدية إلى المناهج التحليلية والكمية والتطبيقية تعكس تطور هذا العلم من دراسة وصفية للإقليم إلى تحليل شامل للقوة السياسية في أبعادها الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية و أن المستقبل البحثي يتجه نحو تعزيز المناهج التطبيقية والكمية وربطها بالنظم العالمية لفهم أكثر دقة للظواهر السياسية المعاصرة وإن التوجه الحديث في الجغرافية السياسية يميل نحو الدمج بين المناهج بدلاً من الفصل بينها.

[1].            فتحي محمد أبو عيانة، دراسات في الجغرافية السياسية، دار النهضة العربية، 1983.

       Taylor & Colin Flint, Political Geography: World-Economy, Nation-State and Locality, 2000.

2 -عباس غالي الحديثي، ابراهيم قاسم البالاني ،جيوبلتيك البيئة مدخل نقدي ،الطبعة الاولى 2021،العراق البصرة ، 38.[2]

[3] -الجغرافية السياسية لعالمنا المعاصر الاقتصاد العالمي ،الدولة القومية المحليات ،بيتر تيلور كولن فلنت ،ترجمة عبد السلام رضوان واسحق عبيد الجزء الاول سلسة عالم المعرفة ،المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب – الكويت ،العدد 282يونيو 2002،ص14.

- الجغرافية السياسية لعالمنا المعاصر الاقتصاد العالمي ،الدولة القومية المحليات ،بيتر تيلور كولن فلنت ،ترجمة عبد السلام رضوان واسحق عبيد الجزء الاول سلسة عالم المعرفة ،المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب – الكويت ،العدد 282يونيو 2002،ص82

[5] - الجغرافية السياسية لعالمنا المعاصر الاقتصاد العالمي ،الدولة القومية المحليات ،بيتر تيلور كولن فلنت ،ترجمة عبد السلام رضوان واسحق عبيد الجزء الاول سلسة عالم المعرفة ،المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب – الكويت ،العدد 282يونيو 2002،ص83

- باسم عبد العزيز عمر العثمان، مناهج البحث الجغرافي وتطبيقاتها في الجغرافيا البشرية، دار السياب، 2009.[6]

رحمة ابراهيم يقول...

أإأذأإأ كانت هذه المناهج المتبعة في الجغرافية السياسية
فأنت منهجنا المميز والمتميز الذي نتبعه لكي نسير ونهتدي بالجغرافية كما يجب 👌🏻🌹❤️

رحمة ابراهيم يقول...

استاذي الرائع
دمُت سالماً دوماً 🌹💐

غير معرف يقول...

النجاح والتوفيق الدائم ان شاء الله دكتور

حقوق الطبع والنشر محفوظة للجغرافية عالم متجدد. يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الزيارات

بحث هذه المدونة الإلكترونية

إشترك بنشرتنا البريدية

عن المدونة

الجغرافية عالم متجدد

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

المتابعون

المتابعون

أعلان

شائع هذا الأسبوع

المشاركة على واتساب متوفرة فقط في الهواتف