تحولات النظام العالمي بعد
2008( التنافس الاقتصادي والتكنولوجي وإعادة تشكيل موازين
القوة الدولية)
الاستاذ الدكتور فراس عبد الجبار الربيعي
ان مايشهده العالم اليوم من صراعات على
مختلف الجبهات ماهو الا مخاض لولادة نظام عالمي جديد تكون فيه الغلبة للعامل
الاقتصادي اكثر من العامل العسكري وليس من المبالغة القول ان مايجري الان ماهو الا صراع
من اجل تثبيت النفوذ في مناطق الثروات قبل الدخول فعليا الى العصر الجديد
فالصين تسعى للسيطرة على تايوان التي تسيطر على نسب عالية من صناعة اشباه الموصلات التي تستخدم في العالم وروسيا تتحرك باتجاه اوكرانيا التي تمتلك ثروات معدنية
وزراعية كبيرة وتخفي طموحها بالعودة الى نفوذها القديم في جمهوريات الاتحاد
السوفيتي السابق المستقلة كونها مجالها الحيوي ومقابل ذلك ترمي الولايات المتحدة الامريكية اوراقها في الشرق الاوسط من اجل السيطرة على منابع النفط
والثروات و بعبارة اخرى هي تحركات لتامين
سلسلة التوريد ومن المتوقع ان تتوزع القوى الكبرى الى:
1-
قطب شرقي يتمثل بالصين وروسيا.
2-
قطب غربي يتمثل بالولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها
وفي مقدمتهم بريطانيا.
اما بقية الدول ذات الاقتصاديات المتقدمة
التي يمكن تسميتها بالقوة الصاعدة مثل
اليابان والمانيا الهند وتركيا والبرازيل فانها ستكون جزءا من احلاف اقتصادية منضوية تحت
لواء هذه القوى نظرا لرغبتها في الاستمرار في سياسة القوة الناعمة.
ان ابرز
السمات التي ستميز هذا العصر هي :
1-اعادة تشكيل
مظاهر التسلح والسيطرة عليها قدر الامكان لغرض تامين عملية دخول الاستثمارات بشكل امن
وسلس.
2-زيادة نفوذ
الشركات الكبرى خصوصا شركات المعلوماتية والتقنيات الحيوية وظهورها كطرف فاعل في
رسم السياسات الدولية وسيكون للعامل التقني كلمة الفصل في ترجيح كفة القوة المهيمنة .
3-ازدهار
الجيوبلتيك الاقتصادي ومفاهيمه من جديد وسيتم التركيز على المجالات
الحيوية الاقتصادية اي المناطق الغنية بمصادر الثروة واذا كانت المناطق التي يجري
فيها الصراع حاليا معروفة وتمثل مناطق نفوذ محسومة سلفا فان منطقة التنافس الرئيسة
ستكون في افريقيا نظرا لما تتمتع به من خامات معدنية وحيوية وزراعية كبيرة.
4-تعزيز التكتلات
الاقليمية لغرض توحيد مصادر الثروة وتسهيل
السيطرة عليها.
5-تطبيق نظرية
التبعية ونظرية المركز والاطراف بشكل واسع حيث ستنشأ الاقتصاديات الصغيرة التابعة
للاقتصاديات الكبرى يرافقها المزيد من انقسام العالم الى مركز واطراف.
ان النظم العالمية
تمر بثلاث مراحل هي الصعود والاستقرار ثم الانهيار
ان السؤال الذي
يطرح نفسه هل سيستمر هذا النظام العالمي وماهي المدة المتوقعة لاستمراره ؟والاجابة
على هذا السؤال تتطلب تحليل النظم العالمية القديمة والمتمثلة :
1-نظام مابعد
مؤتمر فيينا 1815 استمر تقريبا حتى الحرب العالمية الاولى 1914 اي تقريبا مئة عام
.
2-نظام مابعد
الحرب العالمية الثانية من 1945-1990 اي حوالي 45 عام .
وهنا نلاحظ ان عمر
النظام الاول اطول من النظام الثاني ويمكن تعليل ذلك بزيادة التنافس التكنولوجي
والتطور العلمي اي ان عمر النظام الدولي يتناسب عكسيا مع التطور التكنولوجي الذي
يفضي الى متغيرات سريعة وعليه فان هذا
النظام سيصل الى مرحلة التصادم سريعا وينتهي بانتصار الاقتصاديات الاكثر نموا في
الجانب التقني والمعرفي .
وبما ان ملامح هذا
النظام بدات تظهر في عام 2008 على اثر الازمة الاقتصادية بعد انهيار اسواق الرهن
العقاري في الولايات المتحدة الامريكية والتي ادت الى :
1-تراجع الهيمنة
الاقتصادية الامريكية .
2- توسع فواعل
الاقتصاد العالمي والمتثل ببروز مراكز اقتصادية جديدة خصوصا في اسيا وصعود قوى
اقتصادية جديدة مثل الهند والبرازيل والصين و زيادة دور منظمة G20 على حساب G7 .
3-تراجع
فكرة السوق الحرة المطلقة وبروز نظام يجمع بين الدولة والسوق.
وليس بامكاننا
القول انه تشكل لكنه كما ذكرنا في البداية هو في طور التشكيل ومن المتوقع ان يستمر
تقريبا بين 20الى 40 سنة وقد يصل ذروته بين عامي 2040-2060 والاغلب انه
سيتجه نحو صدام
اقتصادي- سيبراني والاقل احتمالا هو الصدام العسكري والذي ستكون نتيجته
تفوق نسبي تميل
كفته حسب المعطيات الحالية الى الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها كونها تتميز
بنقطتين هما تفوقها في شبكة التحالفات الدولية والمؤسسات المالية وتقدمها في
الابتكارات خصوصا في الذكاء الاصطناعي واشباه الموصلات والمعلوماتية اما الصين فهي
المنافس الاقرب كونها تتفوق في سلاسل التوريد والتقنيات والتوسع الاقتصادي لكنها
ستعاني من الضغوط الديمغرافية وتفوق الغرب عليها تقنيا اما روسيا فستلعب دور القوة
المعطلة كونها تملك تاثير في المجال العسكري ومجال الطاقة لكنها اقل قدرة من
الناحية العلمية والاقتصادية من نظيراتها ( الصين والولايات المتحدة الامريكية)
وبالتالي هو نظام هجين متعدد السلطات تفوق تكنولوجي مؤسسي لامريكا الصين تفوق
صناعي –اقتصادي روسيا طاقة وعسكرة ويمكن هيكلة هذا النظام زمنيا الى :
10-20 سنة سيطرة
امريكية .
20- 40 سنة منافسة
صينية .

Post a Comment